احتاجت السمكة أن تمرّن زعنفتيها بضع آلاف سنة حتى تمكنت من الطيران بهما. كل طائرٍ تراه الآن يحلق في السماء، كان فيما سبق سمكةً ترى تلألؤ بريق الشمس من تحت الماء. نعم، حتى تنشئ شيئاً قيّماً، تعتبر الاستمرارية ضرورة. الشكوى من عدم الاستمرارية هي بحد ذاتها تخفي قناعةً بأهمية الاستمرارية، فلا داعٍ للتدليل بأكثر من ذلك.

دعونا نقسم الإنسان وعلاقته مع الاستمرارية على ثلاثة أصناف: الأرنب، والسلحفاة، والنمر.

الأرنب سريع، نشيط، وخفيف الحركة، يتنطط بين شيءٍ وآخر، ولا يركن في أرضه مدةً كافية. تجارب الأرنب الوجودية غير ناضجة. طبعاً لا نقصد الأرنب كحيوان بيولوجي، ولكن كرمز فلسفي للفكرة. الأرنب لا يستفيد من التجارب لأنه لا يستمر بها ولا يتركها تنضج في ذاتيته. الأرنب مستعجل، نطّاطٌ بالطبيعة، لا يستقر في حقلٍ واحد. كلما رآى جزرةً تبعها، غير أنه لو حرص على الاستقرار في حقلٍ واحدٍ لمدة كافية سيحصل على محصولٍ وافرٍ من الجزر، لكنه لا يرى ذلك بحكم عجلته وطبيعته النطاطة.

السلحفاة هادئة، بطيئة الحركة، ساكنة النفس، تسير نحو ما تريد لكن ببطءٍ شديد. السلاحف كائناتٌ معمّرة، لكنها ذات تجاربٍ وجودية قليلة على الرغم من عمرها الطويل. فهي لا تكاد تغير روتينها اليومي من أكل الأوراق الخضراء في الصباح الباكر، ثم الاستجمام تحت أشعة الشمس في الظهيرة، ثم الخلود إلى النوم. إنها كائناتٌ كسولة وتفتقر إلى المغامرة والتجارب الجديدة. السلاحف لا تحب تجربة الجديد، ولا تحب تخطي حد الشائع والمعتاد، ولو لم تجد ورقة خضراء تتسلى بها اليوم، لا مشكلة! ستنتظر إلى اليوم التالي لتجد ورقةً غيرها.

النمر ذكي، متوازن الحركة، حكيم القرار، واثق المسار. النمر كائن مستوطن، أي أنه يختار في كل فترة منطقة معيشته ويستوطن بها، فإذا لم تعد مناسبة انتقل إلى غيرها. إنه كائن متوازن بشكل عجيب، فهو يحب أن يعيش في الغابات الخضراء ولكنه يحرص كذلك على القرب من الأنهار والمستنقعات، وهو يأكل اللحوم بشكل أساسي ولكنه يقتات قليلاً على الأعشاب لتسهيل الهضم. النمر مثال جيد للحياة؛ هو مستقرٌ ومتحرك، مرتاحٌ ومستعد، مسترخٍ ومغامر. النمر يبحث عن فريسة، ويستمتع في بحيرةٍ، ويستلقي على جذع شجرة.. النمر كائنٌ غنيٌ وجودياً.

لو تسابق الأرنب والسلحفاة سيسبق الأرنب، وربما ستقوم السلحفاة بخطة عبقرية وتفوز في السباق (كما في قصص الأطفال)، لكن الحياة ليست سباقاً. وهنا تتضح قوة نمط حياة النمر. الحياة تفاعل، تنوع، تطور، توسع.. استقرار النمر ليس كثبات السلحفاة. الاستقرار لا يعني الثبات. ومرونة النمر ليست كتشتت الأرنب. المرونة لا تعني التشتت.

الخلاصة، كن نمراً.

سعد الدوسري


هذه المقالة جزء من كتاب هل وجدت معناك. يمكنك طلب الكتاب من هنا. لو استفدت من المقالة، شارك الرابط الآن على تويتر أو الفيسبوك.

9 thoughts on “الأرنب، السلحفاة، والنمر؛ أيهما يعيش الحياة بشكل أفضل؟

  1. استمتعت بالمقاله وان شاء الله يصلني الكتاب واقراءه كاملا 😀 شكرا استاذ سعد 🌹

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s